ابن كثير
345
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
القرظي قال : قال فتى من أهل الكوفة لحذيفة بن اليمان رضي اللّه عنه : يا أبا عبد اللّه رأيتم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وصحبتموه ؟ قال : نعم يا ابن أخي ، قال : وكيف كنتم تصنعون ؟ قال : واللّه لقد كنا نجهد ، قال الفتى : واللّه لو أدركناه ما تركناه يمشي على الأرض ، ولحملناه على أعناقنا . قال : قال حذيفة رضي اللّه عنه : يا ابن أخي واللّه لو رأيتنا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالخندق ، وصلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم هويا من الليل ، ثم التفت فقال « من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ؟ - يشترط له النبي صلى اللّه عليه وسلم أن يرجع - أدخله اللّه الجنة » قال : فما قام رجل ، ثم صلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم هويا من الليل « 1 » . ثم التفت إلينا فقال مثله ، فما قام منا رجل . ثم صلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم هويا من الليل ، ثم التفت إلينا فقال « من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثم يرجع ؟ - يشترط له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الرجعة - أسأل اللّه تعالى أن يكون رفيقي في الجنة » فما قام من القوم من شدة الخوف وشدة الجوع وشدة البرد ، فلما لم يقم أحد دعاني رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فلم يكن لي بد من القيام حين دعاني ، فقال صلى اللّه عليه وسلم « يا حذيفة اذهب فادخل في القوم فانظر ما يفعلون ، ولا تحدثنّ شيئا حتى تأتينا » . قال : فذهبت فدخلت في القوم والريح وجنود اللّه عز وجل تفعل بهم ما تفعل ، لا تقر لهم قرارا ولا نارا ولا بناء ، فقام أبو سفيان فقال يا معشر قريش ، لينظر كل امرئ من جليسه ، قال حذيفة رضي اللّه عنه : فأخذت بيد الرجل إلى جنبي فقلت : من أنت ؟ فقال : أن فلان بن فلان ، ثم قال أبو سفيان : يا معشر قريش إنكم واللّه ما أصبحتم بدار مقام لقد هلك الكراع والخف ، وأخلفتنا بنو قريظة ، وبلغنا عنهم الذي نكره ، ولقينا من هذه الريح ما ترون ، واللّه ما تطمئن لنا قدر ولا تقوم لنا نار ولا يستمسك لنا بناء ، فارتحلوا فإني مرتحل ، ثم قام إلى جمله وهو معقول فجلس عليه ، ثم ضربه فوثب به على ثلاث ، فما أطلق عقاله إلا وهو قائم ، ولولا عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلي أن لا تحدث شيئا حتى تأتيني لو شئت لقتلته بسهم . قال حذيفة رضي اللّه عنه : فرجعت إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو قائم يصلي في مرط لبعض نسائه مرحل ، فلما رآني أدخلني بين رجليه وطرح علي طرف المرط ، ثم ركع وسجد ، وإني لفيه ، فلما سلم أخبرته الخبر ، وسمعت غطفان بما فعلت قريش ، فانشمروا راجعين إلى بلادهم « 2 » . وقد رواه مسلم « 3 » في صحيحه من حديث الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه قال : كنا عند حذيفة بن اليمان رضي اللّه عنه فقال له رجال : لو أدركت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قاتلت معه وأبليت ،
--> ( 1 ) هويا من الليل : أي جزءا من الليل . ( 2 ) انظر الأثر في سيرة ابن هشام 2 / 231 ، 232 ، وأخرجه أحمد في المسند 5 / 392 ، 393 . ( 3 ) كتاب الجهاد حديث 99 .